البطلان المطلق.. كيف تحوّلت إلى انتخابات حزب الشعب الجمهوري زلزال سياسي

من تغريدة إلى زلزال سياسي
كيف تحوّلت انتخابات حزب الشعب الجمهوري التركي إلى قضية “بطلان مطلق” هزّت المعارضة التركية؟

كتب الصحفي الدكتور عاصم جرادات

لم يكن أحد داخل حزب الشعب الجمهوري التركي يتوقع أن تنتهي معركة “التغيير” التي أطاحت بكمال كليتشدار أوغلو من رئاسة الحزب إلى واحدة من أعقد القضايا السياسية والقضائية في تاريخ المعارضة التركية الحديثة.
فما بدأ كمنافسة حزبية داخلية عقب خسارة الانتخابات الرئاسية أمام رجب طيب أردوغان، تحوّل تدريجيًا إلى تحقيقات قضائية، ودعاوى مدنية، واتهامات بشراء الأصوات،

قبل أن يصل إلى قرار قضائي قلب المشهد السياسي التركي رأسًا على عقب، تحت عنوان قانوني ثقيل: “البطلان المطلق”.
قرار لم يهدد فقط شرعية قيادة أوزغور أوزال، بل فتح الباب أمام سؤال أكبر:
هل كانت عملية انتقال القيادة داخل أكبر أحزاب المعارضة التركية شرعية من الأساس؟

  • مؤتمر “التغيير”.. البداية التي بدت طبيعية
    في 4 و5 نوفمبر 2023، عقد حزب الشعب الجمهوري مؤتمره العام الثامن والثلاثين، وسط حالة من الغضب الداخلي بعد خسارة المعارضة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
    داخل الحزب، كانت الأصوات المطالبة بالتغيير ترتفع بسرعة، خصوصًا ضد كمال كليتشدار أوغلو الذي قاد الحزب لأكثر من عقد دون أن ينجح في إنهاء حكم أردوغان.
  • في المقابل، ظهر أوزغور أوزال بوصفه مرشح “التجديد”، مدعومًا بشكل واضح من رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي كان يُنظر إليه باعتباره الشخصية الأكثر تأثيرًا داخل المعارضة التركية.
    المؤتمر شهد منافسة حادة وانقسامًا واضحًا داخل الحزب، قبل أن تنتهي الجولة الأخيرة بفوز أوزغور أوزال بفارق 18 صوتًا فقط.
    في تلك اللحظة، بدا أن حزب الشعب الجمهوري دخل مرحلة سياسية جديدة. لكن خلف الكواليس، كانت أزمة أكبر تتشكل بهدوء.
  • أركان تشاكير.. الرجل الذي فتح الباب
    بعد أيام قليلة من انتهاء المؤتمر، ظهر اسم لم يكن معروفًا على نطاق واسع في المشهد السياسي التركي: أركان تشاكير، رئيس شبيبة الحزب في ولاية موش.
    بحسب الرواية التي بدأت تتداول داخل الحزب، فإن رئيس فرع الحزب في بورصة نهاد يشيلطاش كان في البداية من أبرز الداعمين لكمال كليتشدار أوغلو، بل وصل إلى أنقرة مع وفد من المندوبين بهدف التصويت لصالحه خلال المؤتمر. لكن المفاجأة جاءت لاحقًا، عندما غيّر الوفد موقفه وصوّت لصالح أوزغور أوزال. هنا بدأت الشكوك.
    وفي 22 و23 نوفمبر 2023، نشر أركان تشاكير تغريدة اتهم فيها نهاد يشيلطاش بتغيير موقفه نتيجة ما وصفه بـ”الرشوة السياسية”.
  • لم تكن التغريدة مجرد انتقاد داخلي عابر، بل كانت المرة الأولى التي تظهر فيها علنًا اتهامات تتعلق بالتلاعب بإرادة المندوبين داخل مؤتمر الحزب.
  • من بورصة إلى أنقرة.. كيف تحوّلت التغريدة إلى ملف قضائي؟
    رد نهاد يشيلطاش لم يأتِ عبر الإعلام أو المؤتمرات الصحفية، بل عبر القضاء.
    إذ تقدّم بشكوى رسمية إلى النيابة العامة في بورصة ضد أركان تشاكير، متهمًا إياه بالتشهير ونشر ادعاءات كاذبة. لكن نقطة التحول الحقيقية جاءت عندما قررت نيابة بورصة عدم اختصاصها بالقضية، باعتبار أن الوقائع المرتبطة بالمؤتمر حدثت في أنقرة، لتُحال القضية رسميًا إلى النيابة العامة في العاصمة التركية. وهنا، خرج الملف من إطار الخلافات الحزبية الداخلية، ودخل إلى المسار القضائي الرسمي.
  • التحقيقات تبدأ.. والأسماء تتكاثر
    النيابة العامة في أنقرة استدعت أركان تشاكير للاستماع إلى إفادته. وخلال التحقيق، بدأ تشاكير بذكر أسماء وشخصيات مرتبطة بالملف، وفق ما تسرّب لاحقًا في وسائل الإعلام التركية. لاحقًا، بدأت النيابة باستدعاء الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في الإفادات والاستماع إلى شهاداتهم، ليتحول الملف تدريجيًا من شكوى شخصية إلى تحقيق واسع يتعلق بمزاعم التأثير على عملية التصويت داخل مؤتمر الحزب. لكن المفارقة التي زادت القضية تعقيدًا كانت أن أركان تشاكير نفسه لم يكن محسوبًا على معسكر كليتشدار أوغلو أثناء المؤتمر. بل كان داعمًا لأوزغور أوزال وأكرم إمام أوغلو، وتوجد صور ومقاطع توثق حضوره وتحركاته ضمن هذا التيار داخل المؤتمر.
    وهذا ما منح القضية بُعدًا أكثر حساسية داخل الحزب، لأن الاتهامات لم تصدر من خصوم القيادة الجديدة، بل من أحد الأشخاص القريبين من معسكرها السياسي.
  • من “شبهة سياسية” إلى أزمة دولة

مع مرور الوقت، بدأت القضية تتوسع إعلاميًا وسياسيًا. وسائل إعلام تركية تحدثت عن مزاعم شراء أصوات، وضغوط على المندوبين، ووعود بمناصب سياسية، وتقديم امتيازات ومكاسب مقابل تغيير التصويت. ثم دخل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على خط الأزمة، مستخدمًا وصف “المؤتمر المشبوه”. هذا التوصيف لم يكن مجرد هجوم سياسي على المعارضة، بل منح القضية بعدًا سياسيًا وقضائيًا أكبر، خاصة مع استمرار التحقيقات داخل النيابة العامة في أنقرة.

 

  • لطفي سافاش ينقل المعركة إلى القضاء المدني
    في فبراير 2025، دخل اسم جديد غيّر مسار القضية بالكامل: لطفي سافاش، رئيس بلدية هاتاي السابق.
    سافاش لم يكتفِ بالتصريحات الإعلامية، بل تقدّم بدعوى قضائية طالب فيها بإلغاء المؤتمر العام للحزب.
    وفي عريضته، وردت اتهامات ثقيلة وغير مسبوقة داخل الحياة السياسية التركية، من بينها:
    توزيع أموال داخل الفنادق التي أقام فيها المندوبون، تقديم سيارات وشقق سكنية، منح هواتف وأجهزة إلكترونية، ووعود بالتوظيف والمناصب.
    واعتبر مقدمو الدعوى أن فارق الـ18 صوتًا فقط يجعل أي تأثير محدود على إرادة المندوبين كافيًا لتغيير النتيجة النهائية بالكامل.
  • “البطلان المطلق”.. المفهوم الذي قلب المشهد

مع اتساع القضية، بدأ مصطلح قانوني يتكرر بقوة داخل الإعلام والمحاكم: “البطلان المطلق” أو “Mutlak Butlan”.
وهو مفهوم قانوني يعني أن الإجراء يُعتبر باطلًا من أساسه، وكأنه لم يحدث أصلًا، بسبب وجود خلل جوهري يمسّ شرعية العملية القانونية نفسها.
وبحسب هذا الطرح، فإن ثبوت وجود تلاعب بإرادة المندوبين داخل مؤتمر نوفمبر 2023 يعني أن انتخاب أوزغور أوزال يصبح باطلًا، والمؤتمرات اللاحقة تصبح باطلة، وكل القرارات الناتجة عنها تصبح قابلة للإلغاء.

 

  • محاولة إنقاذ الحزب
    في محاولة لاحتواء الأزمة، دعا حزب الشعب الجمهوري إلى مؤتمر استثنائي في أبريل 2025. أوزغور أوزال فاز مجددًا بأغلبية كبيرة، في خطوة هدفت إلى تأكيد أن القاعدة الحزبية ما تزال تقف خلفه. لكن خصومه ردّوا بحجة قانونية خطيرة:
    إذا كان المؤتمر الأصلي باطلًا، فإن كل ما بُني عليه يبقى باطلًا أيضًا.
    وهكذا، تحولت القضية من سؤال حول “هل جرى شراء أصوات؟” إلى معركة حول “من يملك الشرعية داخل الحزب؟”.
  • القضية الجنائية.. وإدخال أسماء ثقيلة
    في يونيو 2025، دخل الملف مرحلة أكثر حساسية بعدما أعدّت النيابة العامة لائحة اتهام بحق 12 شخصًا، بينهم أكرم إمام أوغلو ومسؤولون وقيادات حزبية بارزة. ووجّهت لهم تهمة “التلاعب بعملية التصويت”.
    في المقابل، نفت قيادة حزب الشعب الجمهوري جميع الاتهامات، واعتبرت أن القضية تحمل أبعادًا سياسية تستهدف المعارضة التركية وقياداتها الصاعدة.
  • القرار الذي هزّ تركيا
    في 21 مايو 2026، صدر القرار الذي قلب المشهد السياسي التركي بالكامل.
    محكمة الاستئناف الإقليمية في أنقرة اعتبرت أن مؤتمر نوفمبر 2023 وما تبعه من مؤتمرات وقرارات يعاني من “البطلان المطلق”.
    وبناءً على ذلك، جرى إبعاد أوزغور أوزال وإدارته مؤقتًا، وإعادة كمال كليتشدار أوغلو والهيئات السابقة للحزب، مع فتح باب الطعن أمام محكمة التمييز التركية. قرار فتح أخطر أزمة داخل حزب الشعب الجمهوري منذ سنوات.
    فالقضية اليوم لم تعد مجرد صراع على قيادة حزب سياسي، بل تحولت إلى معركة مفتوحة حول شرعية أكبر قوة معارضة
  • بقلم الكاتب الصحفي الدكتور عاصم جرادات
  • كوزال

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.