بشار الأسد هاجم سائقه خلال هروبه وطمأن ابن خاله الذي قتل لاحقا على يد الثوار
في مقالٍ نُشر في The Atlantic، يواصل الصحفي الأميركي Robert F. Worth تفكيك اللحظات الأخيرة في حكم بشار الأسد، ويروي ـ عبر مصادر مباشرة من داخل دائرته الضيقة ـ قصة الهروب كما لو أنها فصل أخير في رواية انهيار طويل.
قصة هروب الأسد… كما يرويها روبرت إف. وورث
في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، كانت قوات المعارضة تتقدم شمالًا باتجاه حلب، فيما كان بشار الأسد خارج البلاد. لم يكن في دمشق، ولا في غرفة عمليات، بل في موسكو، حيث كان ابنه يستعد لمناقشة أطروحة دكتوراه في الرياضيات البحتة بجامعة موسكو الحكومية. بينما كانت دفاعات حلب تتهاوى، بقي الأسد في روسيا، في خطوة صدمت قادته العسكريين، وأظهرت ـ بحسب وورث ـ حجم الانفصال بين رأس النظام والواقع الميداني.
يعتقد الكاتب، نقلًا عن مسؤول إسرائيلي سابق، أن الأسد كان يأمل إقناع فلاديمير بوتين بالتدخل لإنقاذه. لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا. بوتين تركه ينتظر أيامًا، وحين التقيا، كان اللقاء قصيرًا وباردًا. الرسالة الروسية كانت واضحة: موسكو لن تخوض حربًا عنه. الخيار الوحيد المطروح أمامه هو الذهاب إلى رجب طيب أردوغان ومحاولة عقد صفقة. فروسيا، كما يقول المصدر، كانت ولا تزال ترى علاقتها الاستراتيجية مع تركيا أهم بكثير من علاقتها بسوريا، ولن تخاطر بها من أجل رئيس يتخلى جنوده عنه.
بحلول عودة الأسد إلى دمشق، كانت حلب قد سقطت. بعد ساعات قليلة فقط، غادر إلى أبو ظبي. لا أحد يعرف على وجه الدقة من التقى أو ماذا قيل، لكن وورث يشير إلى أن الإمارات، رغم خشيتها من الميليشيات الإسلامية بقدر خشيتها من طهران، لم تكن تملك أي قوة فعلية على الأرض لإنقاذه.
عاد الأسد إلى دمشق ليجرب رهانًا أخيرًا. أطلق، بحسب مصدر يُدعى أحمد، نداءً لاستدعاء “أدوات الملكية” التي بناها خلال سنوات: المال. وعد برواتب خيالية لمن ينضم سريعًا إلى الميليشيات لإعادة تجميع خطوط الدفاع. لكن النتيجة جاءت عكسية. الجنود النظاميون، الذين عاشوا سنوات على رواتب جوع، شعروا بالإهانة والغضب، وكثير منهم ترك موقعه فورًا.
في تلك الأثناء، كانت المعارضة قد سيطرت على حماة، وتتجه نحو حمص. وفي الخلفية، بدأ قادة الحرس الثوري الإيراني بحزم أمتعتهم ومغادرة البلاد. حين تسرب الخبر إلى الجنود السوريين، دبّ الذعر. لم يعد أحد يقاتل فعليًا. الطريق إلى دمشق بات مفتوحًا.
في 7 كانون الأول/ديسمبر 2024، عقد وزراء خارجية روسيا وسبع دول شرق أوسطية اجتماعًا طارئًا في الدوحة. لم يكن أي منهم يريد انهيار النظام، وأصدروا بيانًا يدعو إلى وقف العمليات العسكرية والبدء بانتقال سياسي تدريجي وفق قرار أممي قديم. لكن كانت هناك مشكلة قاتلة: لا أحد يستطيع الوصول إلى الأسد. هاتفه كان مغلقًا.
ينقل وورث شهادة أحد أفراد مرافقي الأسد في ساعاته الأخيرة، طلب عدم ذكر اسمه. عند السادسة مساءً، عاد الأسد من القصر إلى منزله الخاص في حي المالكي. بدا هادئًا، بل مطمئنًا. قال إنه طمأن ابن خاله إيهاب مخلوف بأن لا شيء يدعو للقلق، وأن الإمارات والسعودية ستجدان طريقة لوقف تقدم المعارضة. بعد ساعات، قُتل مخلوف أثناء محاولته الفرار إلى لبنان.
عند الثامنة مساءً، وصل خبر سقوط حمص. الخوف سيطر على المحيطين به. لكن الأسد واصل طمأنتهم، مؤكدًا أن قوات النظام قادمة من الجنوب لتطويق دمشق. لم يكن ذلك صحيحًا. ولا أحد يعرف، كما يقول المصدر، إن كان الأسد يصدق ما يقول أم كان يخدع نفسه.
خلال الساعات التالية، بدا الأسد متأرجحًا بين اليأس والإنكار، بين قناعة بأن كل شيء انتهى وأوهام نصر وشيك. يقارن وورث هذه الحالة بما صوّره فيلم *Downfall* عن الأيام الأخيرة لهتلر في مخبئه ببرلين.
قرابة الحادية عشرة ليلًا، وصل منصور عزام، أحد أبرز مساعدي الأسد، برفقة مجموعة صغيرة من الروس. دخلوا غرفة مغلقة مع الأسد. يعتقد المصدر أن الروس عرضوا عليه تسجيلات مصوّرة تُظهر أن قواته لم تعد تقاتل.
عند الواحدة بعد منتصف الليل، انتشرت أخبار عن فرار جماعي لمؤيدي النظام باتجاه الساحل السوري. عند الثانية فجرًا، خرج الأسد من جناحه الخاص، وطلب من سائقه تجهيز سيارات. أصدر أوامر عاجلة بحزم الأمتعة. كان الروس ينتظرون خارج المنزل.
حتى تلك اللحظة، ظن كثيرون من مرافقيه أنه سيتجه إلى القصر الجمهوري لإلقاء خطاب “الصمود الأخير”. الآن فقط فهموا الحقيقة: المعركة انتهت، وهو يرحل.
تقدم الأسد نحو الباب الأمامي، ومعه اثنان من مساعديه وابنه حافظ. قيل للباقين إن لا مكان لهم. وقف السائق، رجل في منتصف العمر، ونظر إلى الأسد بخيبة واضحة.
“حقًا ستتركنا؟” سأله.
حتى في تلك اللحظة، لم يتحمّل الأسد المسؤولية. لم يرَ نفسه خائنًا لهم، بل رأى أنهم هم من خانوه، لأنهم لم يموتوا دفاعًا عن حكمه.
“وماذا عنكم أنتم؟” قال للسائق. “ألن تقاتلوا؟”
ثم استدار، وخرج حيث كان الروس بانتظاره.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.