كشف تحقيق إيكاد الجديد عن شبكة من الارتباطات التي تبدأ من حساب «إكس ميديا» على منصة «X»، وتمتد إلى شركات إعلامية ومنظمات تنشط في الملف السوري داخل الولايات المتحدة، وفق ما أورده التحقيق من بيانات تقنية ووثائق وسجلات عامة.
وبحسب التحقيق، خضع حساب «X Media» للفحص بعد ملاحظة تغيّر اسمه عدة مرات منذ إنشائه في فبراير/شباط 2016. وتشير إيكاد إلى أن الحساب حمل سابقاً أسماء مختلفة، مع بقاء المعرّف الداخلي للحساب نفسه، الأمر الذي دفع الفريق إلى البحث في تاريخه الرقمي والجهات المرتبطة به.
ويربط تحقيق إيكاد الحساب بشركة إعلامية تعرف باسم Qmedia أو Cue Media، ويستند في ذلك إلى أرشيف الحساب والروابط والبيانات الرقمية المرتبطة بالمنصة. كما يتناول التحقيق نشاط شركات إعلامية ورقمية أخرى ظهرت ضمن هذه الشبكة.
وينتقل التحقيق بعد ذلك إلى شركة EYEDIA، التي تقول إيكاد إنها تأسست عام 2025 على يد ريم السمان، المديرة التنفيذية السابقة لشركة Qmedia. ووفق المعلومات التي أوردها التحقيق، تقدم الشركة خدمات مرتبطة بالحملات الرقمية وتنظيم جلسات إحاطة والتواصل مع صانعي القرار في الولايات المتحدة.
ويرصد التحقيق كذلك علاقات وشراكات بين EYEDIA وعدد من المنظمات التي تنشط في القضايا السورية، من بينها «إنماء سوريا الغربية» وDruze Global وDruze Nexus وEthnikos. ويقول إن بعض هذه الجهات شارك في فعاليات ونقاشات داخل الكونغرس الأمريكي تناولت أوضاع الأقليات في سوريا وقضايا اللامركزية والحكم الذاتي.
ومن أبرز أجزاء تحقيق إيكاد اعتماده على سجلات قانون تسجيل الوكلاء الأجانب المعروف اختصاراً بـFARA، حيث يشير التحقيق إلى وثائق تتعلق بتمثيل منظمة «إنماء سوريا الغربية» من جانب شركة Tiger Hill Partners، إضافة إلى مراسلات وبيانات مالية مرتبطة بأنشطة الضغط السياسي في الولايات المتحدة.
كما يتناول التحقيق أسماء أشخاص تقول إيكاد إنهم ظهروا في مواقع إدارية أو مراسلات مرتبطة بالشركات والمنظمات التي جرى تتبعها، ومن بينهم محمد شعبان، الذي يربطه التحقيق بإدارة Qmedia سابقاً.
وتطرح هذه المعطيات، وفق تحقيق إيكاد، تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين المنصات الإعلامية والشركات الرقمية والمنظمات التي تنشط في الملف السوري، خصوصاً عندما تتقاطع أنشطتها الإعلامية مع حملات ضغط ومناصرة سياسية في الولايات المتحدة.
ويؤكد التحقيق أن النتائج التي توصل إليها تستند إلى تحليل تقني وأرشيف رقمي وسجلات ووثائق متاحة، بينما تبقى طبيعة بعض الروابط والاستنتاجات الواردة فيه منسوبة إلى فريق إيكاد ومصادره، ولا تعني بحد ذاتها صدور حكم قضائي يثبت جميع الادعاءات الواردة في التحقيق.
المصالح الاقتصادية وعلاقة ما قبل السقوط
ووفق البيانات التي أوردها التحقيق، ضمت قائمة عملاء «Qmedia» شركات ومؤسسات سورية كان لها ارتباط برجال أعمال مقربين من عائلة الأسد.
ومن بين الأسماء الواردة «الشركة السورية للكابلات»، التي يربطها التحقيق برجل الأعمال سامر الفوز، إضافة إلى «البنك السوري الدولي الإسلامي» وشركة «SEA Motors». ويشير التحقيق إلى أن بعض هذه الجهات أو الأشخاص المرتبطين بها كانوا مدرجين على قوائم عقوبات أمريكية وأوروبية في مراحل سابقة.
ولا يعني التعامل التجاري مع مؤسسة أو شركة، بحد ذاته، إثبات تبعية سياسية أو أمنية لها؛ إلا أن تراكم العلاقات التجارية والإعلامية يصبح، بحسب التحقيق، جزءاً من الصورة التي يحاول رسمها حول موقع «Qmedia» في البيئة الاقتصادية والإعلامية للنظام السابق.
وتعزز هذه الصورة واقعة أخرى أوردها التحقيق، إذ بقيت إحدى منصات الشركة، «Q Street Journal»، تنشر حتى الأيام الأخيرة قبل سقوط النظام، وكان آخر منشور أشار إلى رواية رسمية عن الوضع العسكري والأمني في البلاد بتاريخ 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
من الإعلام إلى الكونغرس
وبحسب التحقيق ذاته، انتقل نشاط هذه الشبكة من الفضاء الرقمي إلى المؤسسات السياسية الأمريكية خلال عام 2026، عبر أربع جلسات إحاطة مرتبطة بقضايا الأقليات السورية.
وتناولت هذه الاجتماعات موضوعات مختلفة، من بينها حماية الأقليات، وأحداث الساحل والسويداء، والحكم الذاتي واللامركزية، واتهامات بوقوع انتهاكات ضد مدنيين. ويشير التحقيق إلى أن بعض المشاركين تبنوا طرح الحكم الذاتي، في حين عبّر آخرون، داخل إحدى الجلسات نفسها، عن مواقف مختلفة تؤكد تفضيل دولة مدنية أو علمانية وتنفي الدعوة إلى الانفصال.
ولعل هذه النقطة تكشف أن المشهد ليس كتلة سياسية واحدة متجانسة، حتى بين الجهات التي تشارك في الفعاليات نفسها؛ فطرح حماية الأقليات لا يعني بالضرورة تبني مشروع الانفصال، كما أن المطالبة باللامركزية لا تتطابق تلقائياً مع الدعوة إلى التقسيم.
عقد الضغط السياسي
ومن أكثر أجزاء التحقيق حساسية ما يتعلق بوثائق تسجيل منظمة «إنماء سوريا الغربية» بموجب قانون FARA الأمريكي، وهو القانون الذي يفرض الإفصاح عن العلاقات والأنشطة التي يقوم بها أشخاص أو جهات في الولايات المتحدة نيابة عن مصالح أجنبية.
ويقول التحقيق إنه عثر على وثيقة تسجيل تعود إلى أغسطس/آب 2025، تتعلق بتمثيل المنظمة من قبل شركة «Tiger Hill Partners». كما أشار إلى عقد مالي يتضمن مبالغ شهرية مقابل التواصل مع صانعي القرار الأمريكيين بشأن حماية الأقليات السورية.
وتؤكد المنظمة نفسها وجود العلاقة مع «Tiger Hill Partners»، وتصفها بأنها شراكة استراتيجية تهدف إلى تطوير الاتصالات والعلاقات الحكومية وإيصال قضايا المجتمعات السورية إلى صانعي القرار.
وفي المقابل، ذكرت تقارير صحفية استندت إلى وثائق أمريكية أن المنظمة تعاقدت مع الشركة الأمريكية في إطار نشاط ضغط سياسي، فيما أشارت مصادر أخرى إلى ارتباط المشروع بشخصيات من النظام السابق؛ وهي ادعاءات تبقى بحاجة إلى التمييز بين ما تثبته الوثائق القانونية وما تستنتجه التحقيقات الصحفية من شبكة العلاقات.
شبكة نفوذ تتغير أدواتها
وتكشف القضية، في صورتها الأوسع، عن تحول مهم في أدوات العمل السياسي والإعلامي السوري في مرحلة ما بعد سقوط النظام. فبدلاً من الاعتماد على مؤسسة واحدة ذات خطاب سياسي واضح، تظهر منظومة متعددة الواجهات: حسابات ومنصات إعلامية، شركات محتوى وتسويق، منظمات تقول إنها تدافع عن الأقليات، وشركات علاقات عامة وضغط تعمل داخل واشنطن.
والمهم هنا ليس فقط مضمون الخطاب، وإنما البنية التي تسمح له بالانتقال من منشور على منصة اجتماعية إلى حملة إعلامية، ثم إلى إحاطة داخل الكونغرس أو تواصل مباشر مع مكاتب المشرعين.
وتشير المعطيات التي جمعتها «إيكاد» إلى وجود صلات مهنية وتقنية وشخصية بين أجزاء من هذه المنظومة، فيما تؤكد «إنماء سوريا الغربية» علناً أنها تمارس نشاطاً سياسياً وحقوقياً في واشنطن ضمن إطار قانوني أمريكي معلن.
وبذلك، فإن القضية لا تتعلق بحساب «إكس ميديا» وحده، بقدر ما تطرح سؤالاً أوسع حول طبيعة الشبكات التي تشكلت بعد التحول السياسي في سوريا، وكيف يمكن للمؤسسات الإعلامية والشركات والمنظمات المدنية وجماعات الضغط أن تتقاطع في إنتاج خطاب واحد أو متقارب.
وفي بلد يعيش مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، تصبح القدرة على التمييز بين العمل الإعلامي المستقل، والنشاط السياسي المنظم، والضغط المشروع المسجل قانونياً، وبين محاولات إعادة تدوير شبكات النفوذ القديمة، مسألة أساسية لفهم المشهد الجديد.
والخلاصة التي يمكن الوصول إليها هي أن الوثائق والمعطيات المنشورة ليست حكماً نهائياً على جميع الأطراف الواردة في التحقيق، وإنما أن ثمة شبكة علاقات تستحق التدقيق والمتابعة، تمتد من هويات رقمية قديمة إلى شركات إعلامية، ثم إلى منظمات تنشط في ملف الأقليات السورية، وصولاً إلى ممارسة الضغط السياسي داخل الولايات المتحدة. وتبقى طبيعة هذه الروابط ومدى تنسيقها الفعلي، وكذلك المسؤوليات الفردية لكل طرف، مسائل ينبغي فصلها بدقة عن الاستنتاجات التي تبنيها التحقيقات الصحفية عليها.