وزير الطاقة يوضح فلسفة تعرفة الكهرباء في سوريا
خلال جلسة الاستماع أمام مجلس الشعب، تحدث وزير الطاقة السوري محمد البشير عن واقع تعرفة الكهرباء في سوريا وآلية تصميم الشرائح الحالية، موضحًا أن الشريحة الأولى صُممت أساسًا لتغطية الاحتياجات الكهربائية الأساسية للأسر، من دون احتساب استهلاك التدفئة والتسخين ضمنها.
وأوضح البشير أن احتياجات التدفئة والتسخين أُخذت في الاعتبار ضمن الشريحة الثانية، في إطار محاولة ربط التعرفة بمستويات الاستهلاك الفعلية وطبيعة الاستخدام.
وتأتي هذه التصريحات في وقت يواجه فيه قطاع الكهرباء السوري ضغوطًا مالية وتشغيلية متزايدة، نتيجة ارتفاع تكاليف تأمين الوقود والغاز اللازم لتشغيل محطات التوليد.
كوزال
ارتفاع تكلفة شراء الغاز يضغط على قطاع الكهرباء
وأشار وزير الطاقة إلى أن شراء الغاز اللازم لتشغيل محطات توليد الكهرباء يمثل أحد أبرز مصادر الضغط على القطاع، إذ سبق أن أعلن أن سوريا تشتري غازًا لتوليد الكهرباء بنحو 140 مليون دولار شهريًا لتأمين احتياجات محطات التوليد. كما أوضح أن البلاد تستورد نحو 5.3 ملايين متر مكعب من الغاز يوميًا من عدة دول.
ويعني ذلك أن استمرارية التغذية الكهربائية لا ترتبط فقط بقدرات محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، وإنما ترتبط أيضًا بتوفير العملة الأجنبية اللازمة لشراء الوقود والغاز.
وكان البشير قد حذر من أن استمرار شراء الغاز من دون تحصيل مالي كافٍ من قطاع الكهرباء يمكن أن ينعكس على قدرة القطاع على الحفاظ على مستوى الخدمة الحالي.
ا. لتعرفة الحالية مرتبطة بزيادة الإنتاج المحلي
وفيما يتعلق بمستقبل تعرفة الكهرباء في سوريا، أوضح البشير أن التعرفة الحالية يمكن أن تصبح أكثر ملاءمة للشركة السورية للكهرباء في حال ارتفاع الإنتاج المحلي وتحقيق الاكتفاء الذاتي من مصادر الطاقة.
وتعكس هذه النقطة ارتباط أسعار الكهرباء بتكلفة إنتاجها، إذ إن زيادة الاعتماد على الموارد المحلية يمكن أن تخفف الحاجة إلى شراء كميات كبيرة من الغاز والطاقة من الخارج، وبالتالي تخفيف أحد أهم عناصر الكلفة التشغيلية.
ويأتي ذلك بالتوازي مع خطط حكومية لزيادة إنتاج النفط والغاز وتطوير قطاع الطاقة. وقد أعلن البشير في وقت سابق عن خطط لإعادة تأهيل عدد من آبار النفط، إلى جانب توسيع قدرات التكرير وإنشاء مصفاة نفط ثالثة في المنطقة الشرقية.
ارتفاع الأسعار العالمية ينعكس على الكهرباء
وأوضح الوزير أن أسواق الطاقة العالمية تمر بظروف استثنائية، مع تراجع إنتاج النفط والغاز وتأثر بعض ممرات الطاقة وانخفاض قدرات التكرير، بالتزامن مع ارتفاع الطلب وتكاليف النقل والشحن والتأمين.
هذه التطورات انعكست على تكلفة الطاقة التي تحتاجها سوريا، ولا سيما في ظل استمرار الاعتماد على الاستيراد لتغطية جزء من احتياجاتها.
وكانت وزارة الطاقة قد بررت في وقت سابق تعديلات أسعار المشتقات النفطية بارتفاع تكلفة الشراء في الأسواق العالمية، إضافة إلى توقف مصفاة بانياس مؤقتًا للصيانة، ما أدى إلى زيادة الحاجة لاستيراد مشتقات نفطية جاهزة.
تحصيل فواتير الكهرباء أصبح عاملًا أساسيًا
من الملفات التي أشار إليها وزير الطاقة أيضًا مسألة تحصيل فواتير الكهرباء، إذ إن عدم سداد الفواتير والتجاوزات على الشبكة يزيدان من خسائر الشركة السورية للكهرباء.
وكان البشير قد أوضح أن تراكم ديون قطاع الكهرباء وخسائر المشتقات النفطية أثرا في المشاريع الاستثمارية والإنفاق الاستثماري.
وبالتالي، فإن استمرار الخدمة الكهربائية لا يعتمد على التعرفة وحدها، بل على قدرة القطاع على تأمين الوقود، وتحصيل قيمة الاستهلاك، وتقليل الفاقد والتجاوزات، وتمويل أعمال الصيانة والتوسعة.
خفض ساعات التغذية لا يخدم الاقتصاد والصناعة
وحذر البشير من أن خفض ساعات التغذية الكهربائية لن يكون حلًا مناسبًا لدعم النشاط الاقتصادي، مؤكدًا أن تقليص ساعات الكهرباء لا يساعد على بناء اقتصاد قادر على دعم المدن الصناعية والمعامل.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة للقطاع الصناعي، إذ تحتاج المصانع والمنشآت الإنتاجية إلى كهرباء مستقرة لتشغيل خطوط الإنتاج والمعدات، بينما يؤدي عدم انتظام التغذية إلى الاعتماد على مصادر بديلة وارتفاع تكاليف الإنتاج.
وكان قطاع الكهرباء قد شهد خلال عام 2026 تحسنًا في ساعات التغذية مقارنة بالمراحل السابقة، وفق تصريحات سابقة للوزير، مع الحديث عن رفع التغذية في بعض المناطق إلى مستويات أعلى من السابق.
زيادة تخصيص القطع الأجنبي لتأمين الطاقة
وفي ظل ارتفاع فاتورة الاستيراد، أكد وزير الطاقة الحاجة إلى زيادة تخصيص القطع الأجنبي لشراء الغاز والفيول والطاقة خلال المرحلة المقبلة.
وتكشف هذه النقطة عن حجم الترابط بين السياسة النقدية وقطاع الطاقة، فكل زيادة في تكلفة استيراد الوقود تحتاج إلى تمويل بالعملة الأجنبية، بينما يؤدي نقص التمويل إلى الضغط على كميات الوقود المتاحة لمحطات التوليد.
وفي وقت سابق، كشف البشير عن إنفاق نحو 140 مليون دولار شهريًا لشراء الغاز المستخدم في توليد الكهرباء، ما يعطي مؤشرًا على حجم الاحتياجات المالية اللازمة للحفاظ على تشغيل المحطات.
هل تتغير تعرفة الكهرباء مستقبلًا؟
تصريحات وزير الطاقة لا تعني إعلان تعرفة جديدة بشكل مباشر، وإنما تربط إمكانية ملاءمة التعرفة الحالية بتحسن الإنتاج المحلي وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي.
وبحسب المعطيات المعلنة، فإن المعادلة التي تواجه قطاع الكهرباء تقوم على عدة عناصر مترابطة: تكلفة الغاز والفيول، الإنتاج المحلي، سعر الطاقة عالميًا، تحصيل الفواتير، خسائر الشبكة، والقدرة على تأمين القطع الأجنبي.
وبالتالي، فإن تحسن الإنتاج المحلي وتراجع الحاجة إلى استيراد الطاقة يمكن أن يغيرا كلفة تشغيل محطات الكهرباء، بينما يؤدي استمرار ارتفاع أسعار الطاقة العالمية أو ضعف التحصيل إلى زيادة الضغوط المالية على القطاع.
الكهرباء بين كلفة التشغيل ودعم الاقتصاد السوري
تضع تصريحات محمد البشير ملف الكهرباء أمام معادلة اقتصادية واضحة: الحفاظ على ساعات تغذية مرتفعة يحتاج إلى تمويل مستمر للوقود والغاز والصيانة والاستثمار، في حين أن خفض التغذية قد يخفف بعض الضغوط التشغيلية لكنه ينعكس على النشاط الاقتصادي والإنتاج الصناعي.
ومن هنا، فإن مستقبل تعرفة الكهرباء في سوريا سيكون مرتبطًا بدرجة كبيرة بتطور إنتاج النفط والغاز محليًا، وتحسن قدرة قطاع الكهرباء على تحصيل الفواتير، وتقليل الهدر والتجاوزات، إضافة إلى قدرة الدولة على توفير القطع الأجنبي اللازم لاستيراد احتياجات الطاقة.
وتشير تصريحات الوزير إلى أن الهدف المطروح ليس خفض ساعات التغذية، وإنما زيادة الإنتاج وتأمين مصادر الطاقة وتحسين قدرة قطاع الكهرباء على تمويل احتياجاته، بما يسمح باستمرار الخدمة ودعم النشاط الصناعي والاقتصادي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.