أزمة الوقود العالمية.. هرمز وباب المندب يهددان إمدادات الطاقة وأسعار البترول

 ما الدول التي تعاني فعليًا من أزمة الوقود؟
من الضروري هنا التفريق بين الدول التي تعاني نقصًا فعليًا في الوقود، والدول التي تعاني فقط من ارتفاع الأسعار.
روسيا.. نقص بنزين ومشكلات في المصافي
تواجه روسيا ضغوطًا كبيرة على سوق الوقود نتيجة الأضرار التي لحقت بعدد من المصافي والمنشآت النفطية، إلى جانب تعقيدات أخرى في صادرات المنتجات النفطية.
وتشير تقارير حديثة إلى تفاقم نقص البنزين في سان بطرسبورغ وظهور طوابير أمام محطات الوقود. كما اضطرت روسيا إلى اتخاذ إجراءات للتعامل مع نقص المنتجات النفطية.

العراق.. بلد نفطي يعاني من طوابير البنزين
من أكثر المفارقات وضوحًا أن العراق، أحد أكبر منتجي النفط، يواجه بدوره ضغوطًا على سوق البنزين.
تقارير حديثة تحدثت عن طوابير أمام محطات الوقود في بغداد ومحافظات عراقية أخرى مع تفاقم اضطرابات الإمدادات المرتبطة بأزمة هرمز وهذا يوضح أن امتلاك النفط لا يعني بالضرورة امتلاك إمدادات وقود محلية مستقرة؛ فالمشكلة قد تكون في التكرير والنقل والتوزيع.وذلك كما أفادت صحيفة التايمز

الولايات المتحدة.. الديزل يسجل مستويات قياسية
في الولايات المتحدة، ظهرت الأزمة بصورة مختلفة.
فبدل الطوابير ونقص البنزين، يعاني المستهلكون والقطاعات الزراعية والنقل من ارتفاع حاد في تكلفة الديزل.
وأفادت AP بأن متوسط سعر الديزل الأمريكي وصل إلى نحو 5.85 دولار للغالون، وهو مستوى قياسي، ما يزيد تكلفة نقل المنتجات وتشغيل المعدات الزراعية.
كما أن المصافي الأمريكية تعمل تحت ضغط شديد، إذ أشارت رويترز إلى أنها تعمل بالقرب من طاقتها القصوى لفترة طويلة في محاولة لتعويض اضطرابات الإمدادات العالمية. وذلك حسب وكالة رويترز

أوروبا.. الخطر الأكبر في الديزل ووقود الطائرات
أوروبا من أكثر المناطق حساسية لتطورات الأزمة.
فقد أصبحت أسعار شحنات الديزل في أوروبا أعلى من أسعار وقود الطائرات في أغسطس، في مؤشر على شدة الضغط على سوق المنتجات المكررة.
كما واجهت أوروبا خلال الأشهر الماضية تحذيرات بشأن مخزونات وقود الطائرات، بينما اضطرت شركات التكرير الأوروبية إلى زيادة الإنتاج والاعتماد على واردات من مناطق أخرى. وذلك حسب وكالة رويترز
لكن من المهم عدم القول إن أوروبا تعاني حاليًا من نفاد شامل للوقود؛ الأدق أن القارة تواجه مخاطر إمدادات وارتفاعًا كبيرًا في التكلفة.

بنغلادش.. من أكثر الدول تعرضًا للصدمة
كانت بنغلادش من أكثر الدول التي ظهرت فيها آثار أزمة الوقود بصورة مباشرة خلال الأزمة.
وسجلت البلاد في مراحل سابقة طوابير طويلة ونقصًا في الديزل، خصوصًا بسبب اعتمادها الكبير على واردات المنتجات النفطية وتأثر خطوط الإمداد العالميةكما اضطرت الحكومة إلى اتخاذ إجراءات لضمان وصول الشحنات وتأمين احتياجات السوق.

الهند.. ضغط على الأسعار أكثر من نقص شامل

الهند مثال مهم على الفرق بين أزمة الأسعار وأزمة نقص الوقود.
فالهند تعتمد بدرجة كبيرة على النفط المستورد، ولذلك تعرضت لصدمة الأسعار، لكن لديها قدرة تكريرية كبيرة وإجراءات حكومية لتأمين الإمدادات.
وقد رفعت الهند أسعار البنزين والديزل خلال الأزمة، مع اتخاذ إجراءات ضريبية وتنظيمية للتخفيف من الصدمةلذلك لا يصح وصف الهند بأنها تعاني من نفاد شامل للوقود.

باكستان.. ارتفاعات حادة وضغط على الطاقة
تتعرض باكستان لضغوط كبيرة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الأسواق الإقليمية، مع تأثرها أيضًا بسوق الغاز الطبيعي المسال.
وقد حذرت تقارير سابقة من خطر تحول اضطراب إمدادات الغاز المسال إلى أزمة طاقة أوسع في البلادأما أسعار البنزين والديزل فقد شهدت زيادات جديدة في سبتمبر مع ارتفاع أسعار النفط العالمية.

هل نحن أمام «نقص وقود عالمي» فعلًا؟
هنا يجب أن يكون التقرير دقيقًا.
لا توجد حتى الآن أدلة على نفاد البنزين والديزل من جميع أنحاء العالم.
لكن توجد بالفعل أزمة عالمية في الإمدادات والأسعار والمخزونات والقدرة على التكرير والنقل.
وهذا أخطر من مجرد ارتفاع مؤقت في سعر النفط، لأن الأزمة إذا استمرت يمكن أن تنتقل من:
ارتفاع الأسعار → نقص المنتجات المكررة → تقنين → ارتفاع النقل → ارتفاع الغذاء → تضخم → تباطؤ اقتصادي.
وهذه السلسلة هي التي تراقبها الأسواق حاليًا.

 

        ماذا يحدث إذا تعطل هرمز وباب المندب معًا؟
هذه هي النقطة الأكثر خطورة في المشهد.
إذا أصبح مضيق هرمز شديد الاضطراب، وفي الوقت نفسه أصبح باب المندب غير آمن أمام الناقلات، فإن العالم سيواجه اختناقًا مزدوجًا في أهم مسارات الطاقة والتجارة.
وتشير تحليلات إلى أن إغلاق المضيقين معًا يمكن أن يؤثر في نحو ربع إمدادات النفط والغاز العالمية، إضافة إلى تأثيره في نحو 10% من التجارة العالمية التي تمر عبر باب المندب.

  وفي هذه الحالة لن تكون المشكلة مجرد سعر برميل النفط.
بل ستصبح المشكلة:
هل تستطيع السفن الوصول؟
هل تستطيع المصافي الحصول على الخام؟
هل يوجد ما يكفي من الديزل؟
هل تستطيع الطائرات الحصول على وقود؟
وكم ستصبح تكلفة نقل الغذاء والبضائع؟

تصريحات وتحذيرات قوية تكشف حجم الخطر
رئيس وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول وصف الأزمة في وقت سابق بأنها من أخطر أزمات أمن الطاقة التي واجهها العالم، بينما أكدت الوكالة أن الاضطراب الحالي يمثل أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ السوقوفي الولايات المتحدة، حذر وزير الطاقة كريس رايت من أن أسعار الطاقة قد تبقى مرتفعة أو ترتفع أكثر إلى أن تعود حركة السفن عبر هرمز إلى مستوى ذي معنى، مشيرًا إلى أن توقع هبوط سريع للأسعار غير واقعي. كما حذرت تحليلات حديثة من أن مخزونات النفط العالمية تتعرض لضغوط شديدة، فيما قال الرئيس التنفيذي لشركة شيفرون مايك ويرث إن «الوسائد» التي كانت تمتص صدمات سوق النفط أصبحت مستنفدة، في تحذير يعكس ضيق هامش الأمان في السوق.

السيناريو الأخطر: أزمة وقود تتجاوز النفط
الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما يصل النفط إلى 100 أو 110 دولارات فقط.
الخطر يبدأ عندما تتحول الأزمة من أزمة خام إلى أزمة منتجات نفطية.
فالاقتصاد العالمي يحتاج إلى الديزل للشاحنات والجرارات والمصانع، ووقود الطائرات للطيران، ووقود السفن للنقل البحري.
ولهذا فإن نقص الديزل قد يكون أكثر تأثيرًا على الحياة اليومية من ارتفاع سعر النفط الخام نفسه.
كما أن ارتفاع تكاليف الوقود ينعكس على أسعار المواد الغذائية، لأن كل مرحلة تقريبًا من مراحل الإنتاج والنقل والتخزين تعتمد على الطاقة.

هل يمكن أن نشهد موجة ارتفاع جديدة في أسعار البنزين؟
نعم، إذا استمرت اضطرابات هرمز وباب المندب وتراجع البدائل المتاحة أمام المنتجين الخليجيين، فإن احتمال تعرض أسعار النفط والمنتجات المكررة لموجة جديدة من الارتفاع يبقى قائمًا. وذلك حسب وكالة رويترز
والتطور السعودي الأخير مهم جدًا هنا، لأن إغلاق خط الشرق–الغرب يقلل من قدرة المملكة على استخدام أحد المسارات البديلة لتصدير النفط بعيدًا عن هرمز.

ختاما

أزمة الوقود العالمية لم تصل إلى مرحلة نفاد الوقود في جميع الدول، لكنها دخلت مرحلة شديدة الحساسية.
فالضغط لم يعد يأتي من مصدر واحد.
هرمز يهدد تدفق الطاقة من الخليج.
باب المندب يهدد طريق البحر الأحمر.
السعودية تعرضت لضربة طالت أحد مساراتها البديلة.
أوروبا تواجه ضغوطًا على الديزل ووقود الطائرات.
الولايات المتحدة تواجه ارتفاعًا قياسيًا في أسعار الديزل.
روسيا تعاني نقصًا في بعض أسواق البنزين.
العراق يشهد طوابير ونقصًا في بعض المناطق.
بنغلادش وباكستان تواجهان ضغوطًا قوية على الطاقة.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط: كم سيصبح سعر برميل النفط؟
       بل السؤال الأخطر:
ماذا سيحدث إذا أصبح هرمز وباب المندب معًا عقدتي اختناق طويلتي الأمد أمام الطاقة العالمية؟
عندها قد تنتقل الأزمة من أزمة أسعار إلى أزمة إمدادات حقيقية، ويصبح تأثيرها محسوسًا في محطات الوقود والطائرات والشاحنات والمصانع وأسعار الغذاء حول العالم.

كوزال

أزمة الوقود العالمية، أزمة الوقود العالمية، أزمة الوقود العالمية

 

 

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.